د. محمد بن إبراهيم دودح  09/06/2007
ملخص البحث
انتهت الدراسات النفسية إلى وجود علاقة وثيقة بين وظائف المخ وبين المشاعر والسلوك الإنساني وفق نظم وآليات بتقدير مسبق يؤيد مبدأ الخلق في الدين مثلها في ذلك كمثل الفلك والفيزياء وبقية العلوم الطبيعية, والمدهش أن تحقوق تلك الدراسات النفسية رغم حداثة عهدها السبق على العلوم الطبيعية بتقديمها شواهد في مجال النفس على العلاقة بين الإيمان والوظائف البدنية خاصة مع الاكتشاف المذهل لمراكز بالمخ تنشط بالإيمان والعبادة لتستعيد توازن وظائف النفس والبدن مقرةً لمبدأ الخلق بأن الإيمان فطرة مغروسة بالنفس وفي نشاطها شفاء للنفوس والأبدان بآليات تبدو وشيكة الاكتشاف, والاستشفاء بالقرآن الكريم إذن ليس مجرد ترديد كلمات فحسب بلا وعي وإنما هو تحفيز لعوامل الشفاء الذاتي وإصلاح شامل للنفوس والأبدان فيقتضى تدبر معانيه والعمل بتعاليمه وإقامة أركانه باعتباره منهج حياة أو نظام تشغيل لكافة البرامج.

وقد ثبت أن للقرآن الكريم قوة شفائية بالتجارب المعملية في مؤسسة العلوم الطبية الإسلامية في مدينة بنما سيتي بأمريكا؛ قال د. أحمد القاضي: (أثبتت التجارب أن له أثرا مهدئا خفف درجة توتر الجهاز العصبي في 97% من الحالات)",
ولكن مع إجراء تلك التجارب على غير مسلمين وغير ناطقين بالعربية يمكن القول أنها لا تتعلق بدراسة التأثير الإيماني واستنهاض عوامل الشفاء الذاتي وإنما ترجع لتأثيرات مهدئة ثانوية محدودة الأجل مثل الاسترخاء والإيحاء والإيقاع, واحتمال التأثير السحري للقرآن الكريم غير وارد مع إجماع علماء الإسلام على إنكار "الصرفة" كتأثير صارف عن استجابة العرب لتحديه, ولذا كان هذا البحث كتجربة ميدانية في البيئة الإسلامية لرصد أي تأثير طويل الأمد يمكن نسبته إلى التحفيز الإيماني واستنهاض عوامل الشفاء الذاتي خاصة مع قصر الشفاء في القرآن الكريم على المؤمنين وحدهم؛ قال تعالى: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ" [الإسراء:82]، وقال تعالى: "قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء" فصلت 44, والكرب والمرض عند المؤمنين تذكرة تدفعهم للدعاء والاستغاثة بمفرج الكروب فتطمئن قلوبهم راضين بالقدر فيسلموا من الانهيار, فينبغي النظر إذن إلى الرقية الشرعية لا كتعويذة وإنما دعاء يلزمه اليقين والتطهر من الذنوب بلا تفريط في العمل بالأسباب.
ومع اتفاق الجميع أطباء ورقاة بالقوة الشفائية للقرآن الكريم ينحصر الخلاف في تفسير الحالات بالجان وطرق المعالجة, فقد نسبت الأمراض العضوية والوبائية كالطاعون إلى الجان قبل عصر الاكتشاف مع تعذر معرفة الأسباب الحقيقية, ولكن مع التقدم الطبي وتطور تقنيات الفحص تراجع التفسير الغيبي, وإذا علمنا بحداثة تصنيفات علم النفس Psychiatry بحيث لا تتجاوز بضعة عقود أدركنا لماذا ظلت نسبة الأمراض النفسية والعقلية للجان مسيطرة في الثقافة الشعبية حتى انتشرت سريعا مع التغير الاجتماعي الحاد عيادات شعبية للمعالجة من تأثيرات الجان وابتدعت أساليب غير الرقية الشرعية, وشملت هذه الدراسة 200 حالة من رواد العيادات الشعبية بفحص كل حالة تفصيليا وإرشاد نخبة دينيا للتغيير ذاتيا, ومع تجنب التفسير بالجان بغير دليل يُعني هذا البحث بملاحظة التأثير الشفائي للقرآن الكريم مع رصد الأساليب المبتدعة بغرض تقنين ممارسة المعالجين الشعبيين, وباستعراض آراء العلماء والأطباء يتناول العرض عشرة محاور على النحو التالي: الإيمان شفاء للنفوس والأبدان, الاستشفاء بالقرآن في منظور الشريعة الإسلامية, الاستشفاء بالقرآن في منظور الطب الحديث, الإيحاء وسيلة المعوذين, خطر المشعوذين, ظواهر نفسية معلومة في الطب, اجتهادات للعلماء استغلها المعوذون, مغالاة الرقاة ودجل المعوذين في منظور الشريعة, مغالاة الرقاة ودجل المعوذين في المنظور الطبي, محصلة الدراسة الميدانية. ويرتكز المنهج العلمي لبلوغ الحقيقة على أساس التفكير التحليلي للتحقق من مصداقية الدليل وحيادية الإدعاء ومدى تطابقه مع الواقع وخلوه من الغرض وسلامته من التحريض الضمني والاستغلال العاطفي وبذلك يسلم الإنسان من الوقوع فريسة للدجل والخرافة, ولا شك أن إمكان عزو جميع الحالات المدروسة بعناية إلى أمراض أو ظواهر نفسية مصاحبة لمشاكل طبية أو اجتماعية لا يحتاج معه إلى تفسير غيبي, وليس هذا إنكارا لوجود الجن وإنما تمسكا بالمنهج العلمي في التوقف عن قبول ادعاء بغير دليل, وإذا ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام قد قام بتشخيص مثل تلك الحالات فمن يدعي أنه مثل الموصول بالوحي يعوزه الدليل, وأيدت النتائج أن للاستشفاء بالقرآن الكريم تأثير طويل الأمد في الشخصية الإسلامية الواعية يستبعد معه الإيحاء ويقوم على التحفيز الإيماني واستنهاض عوامل الشفاء الذاتي وإصلاح شامل للسلوك ومحاولة إيجاد حلول عملية لجذور المشكلات الحياتية لا التهرب بتفسيرها غيبيا والاكتفاء براحة وهمية بالإيحاء بطرد الجن, بينما الأساليب الإيحائية للمعوذين والرقاة تأثيرها وقتي طالما أنها لم تعالج جذور المشكلات وتستنهض النوازع الإيمانية وتسترد التوازن النفسي بالمساندة الطبية, والتوصية هي اعتماد الاستشفاء بالقرآن الكريم كأسلوب علاجي مساند للعلاج الطبي؛ خاصة إذا لم تتوفر معالجة تحليلية ولا يجد الطبيب النفسي في عيادته الخاصة وقتا كافيا لتفهم صراعات المريض ومشكلاته, مع ضرورة التزام الجميع بحدود الشريعة وبالتثقف الصحي في مجال الأمراض النفسية حمايةً للمجتمع من الدجل والخرافة.
الملاحظات والنتائج:
1. الدافع العام لحضور الحالات أو إحضارهن إلى العيادات الشعبية للرقاة والمعوذين هو التوهم بتأثير الجان, والتشخيص وطريقة العلاج لا تعدو تأكيد نسبة الأعراض للجان بتشخيصات محدودة مثل الانتقام لقتل صبي من الجان بصب ماء أو زيت ساخن عليه في عين حوض المطبخ بلا تسمية لتنبيهه ليرحل أو التلبس بعشق أو سحر, والعلاج هو الصلح مع أسرة المقتول من الجان أو طرد الغازي للجسد من الجان بأساليب عديدة مبتكرة من الإيحاء تناسب كل حالة.

2. الإصابة بالشلل أو البكم أو فقد الرؤية عقب مشاكل أسرية حادة علاجه هو الضرب المبرح خاصة إذا كانت الحالة أنثى ولا يعفيها الصراخ حتى تنهض وتشفى وسط ذهول الحضور الذين لا يعرفون أن تلك حالات نفسية معروفة.

3. مجموع الذكور: 49 حالة تتراوح أعمارهم من 8 سنوات إلى 62 سنة ويبلغ عدد الحالات أقصاه حول 35 سنة, وأمكن تصنيف شكاويهم جميعا على النحو التالي:
أ‌- أمراض أو عوارض نفسية (32 حالة): صداع وفتور وآلام عامة, فقدان التركيز, خوف, اكتئاب, إدمان, وسواس قهري, ذهان, قولون عصبي, عجز جنسي قد تصاحبه عوارض نفسية أو مشاكل زوجية (14 حالة).
ب‌- عوارض نفسية تصاحب مشاكل عضوية (10 حالات): ضيق في صمام القلب منذ الطفولة, جلطة في القدم, جلطة في الدماغ, ضيق شرايين القلب, بول سكري, ضغط دم مرتفع, ذبحة صدرية, صرع, ربو.
ت‌- عوارض نفسية تصاحب مشاكل اجتماعية (7 حالات): فشل الخطوبة أو الزواج (4 حالات), مشاكل أسرية, بطالة.

4. مجموع الإناث: 151 حالة تتراوح أعمارهن من 12 سنة إلى 80 سنة ويبلغ عدد الحالات أقصاه حول 27 سنة, وأمكن تصنيف شكاويهن جميعا على النحو التالي:
أ‌- أمراض أو عوارض نفسية (68 حالة): وسواس قهري, صداع وفتور وآلام عامة, فقدان التركيز, خوف, اكتئاب, قولون عصبي, أحلام بالتزوج, كوابيس, بكم عصبي, وسوسة سمعية, عمى عصبي, شلل عصبي.
ب‌- عوارض نفسية تصاحب مشاكل عضوية (29 حالة): إصابة الزوج بعجز جنسي أو سرعة القذف, آلام عضوية المنشأ, آلام مع الحمل, عقم, صداع نصفي, الإجهاض خاصة المتكرر, اضطراب الدورة الشهرية, استئصال الرحم, نمش بالوجه, التشنج المهبلي Vaginismus عند التزوج, أورام ليفية بالرحم, عسر هضم, ارتفاع ضغط الدم.
ت‌- عوارض نفسية تصاحب مشاكل اجتماعية (54 حالة): سفر الزوج للعمل بالخارج لمدة قد تتجاوز سنة (9 حالات), تأخر الخطاب, فشل الخطبة خاصة إذا تكرر, العنوسة, الطلاق, التفات الزوج عن زوجته, المشاكل الأسرية, زواج عرفي سابق تُخشى عواقبه, فرض الأهل على الفتاة زوج لا تريده, زواج الأم بعد وفاة أب الفتاة الوحيدة.

5. شعرت بعض الحالات إيحائيا عند الرقاة بتحسن وقتي بنسبة يصعب تحديدها, واختيرت 14 حالة (10 إناث, 4 ذكور) على درجة من الوعي تكفي لتطبيق برنامج التحفيز الإيماني الذاتي فاستمر التحسن لمدى أطول في 12 حالة (85%).
نماذج من الحالات والممارسات:
• حالة رقم (1): أنثى تعمل مع زوجها خارج بلدها الأصلي وتترك شقتها مغلقة طول العام وتخاف أن يسكنها جني في غيبتها؛ علاج حالتها هو فتح الراديو على إذاعة القرآن الكريم ليل نهار طول العام حتى عودتها.
• حالة رقم (2): قريبة فني توصيلات تكرر حضورها معه تشتكي من آلام تصاحب الدورة الشهرية فشخصت حالتها انتقام لقتلها طفل من الجان والعلاج هو الصلح مع أسرته, أما قريبها فقد تحول إلى معالج مستقل.
• حالة رقم (3): اتصلت إحداهن شاكرة فاستفسر المعالج إن بقيت شكوى, فأكدت له تحسن حالتها ولكنها تعتب عليه لماذا أخبر زوجها أنه يعرف أنها قد عملت له سحرا ليتعلق بها فطلقها منذ أيام ومعها منه ثلاثة أبناء.
• حالة رقم (4): ادعت إحداهن آلام متنقلة فكان التشخيص عاشق جني يسكن الجسد يطرده شريط قرآن مسجل بوضع سماعات الآذان لساعات على الأيدي والأقدام وكلما انتقل الألم انتقلت السماعة حتى مل الجني وهرب.
• حالة رقم (5): أراد أهل إحداهن أن يزوجوها فتغير حالها فجأة وقالت إنها متزوجة عرفيا من جني رئيس مافيا وتخشى أنها حامل, فقال المعالج لو ثبت الحمل فهو دليل قاطع يؤيد قول بعض العلماء بإمكان الزواج من الجن.
• حالة رقم (6): أخبرت إحداهن أن جنية تدفعها للذهاب للحمام بكثرة حيث يعيش أقاربها, فطلب كاتب هذا البحث إجراء تحليل طبي فتبين إصابتها بمرض البول السكري, ولعل الجنية تمل وتفارقها بعدما يقل ذهابها للحمام.
• حالة رقم (7): طبيبة تشكو أن زوجها نافر فكان علاجها قراءة القسم عدة ساعات على الجان أن يبتعدوا.
• حالة رقم (8): صيدلي تقدم خاطبًا فتاة فرفضته فأيد المعالج شكه في الجن وعليه قراءة القسم لساعات.
• حالة رقم (9): خريجة آداب علم نفس غير متزوجة لا تشكو من شيء أرادت اختبار صدق المعالج في التشخيص والعلاج, والشكوى الزائفة هي مشاكل زوجها وعصبيته وتكرر تعطل سيارته, فكان التشخيص جني يعشقها لأنها تكثر الوقوف أمام المرآة وانتقام من زوجها لقتله بسيارته قطة كان يلبسها جان, وكان علاج العشق الضرب المبرح ولم يعفها الصراخ حتى ادعت اللبس ونطق الجني على لسانها معترفا بالعشق ومصرحا بقدومه من زيمبابواى, ورغم نجاحها نظير العلقة في استدراج المعالج وكشف زيفه ولكنها استرابت في موضوع العشق.
• حالة رقم (10): جاءت إحداهن للمعالج مرارا منذ سنوات طويلة لشكاوى عديدة متكررة ولاحظت تطور أسلوبه من ضرب المريض بحذاء إلى خشبة أو خرطوم ماء واستخدام جهاز تدليك هزاز, ومن إسماع المريض للقرآن من خلال سماعات الآذان إلى إسماع الجني بوضعها مكان الشكوى حتى لو كان اليد أو القدم, وكانت ترتاح وقتيا وأخيرا تمسكت بالقرآن والتزمت بالصلاة في وقتها وصبرت على البلاء فتطاولت فترات الراحة.
• حالة رقم (11): مريض يعاوده هياج شديد إلى حد تقطيع الملابس علنا شخصت حالته طبيا على أنها اضطراب عقلي أو ذهان Psychosis وعولج بالصدمات الكهربية, ولم يفلح معه جميع الرقاة والمعوذون وصناع الأحجبة والتمائم وفشلت الكنيسة كذلك, ولكنه بإتباع برنامج الاستشفاء القائم على تحفيز الإيمان وتنشيط الإرادة تعود دخول المسجد والحفاظ على الصلوات في أوقاتها خاصة صلاة الفجر وأصبح أكثر قدرة على ضبط الانفعال.
• حالة رقم (12): خريجة كلية دراسات إسلامية أراد أهلها أن يزوجوها لشاب تقدم لخطبة أختها باعتبارها الأكبر فلما رفضت أحضروها للمعالج للاطمئنان على سلامتها من الجن, ولكنها غير مقتنعة أن الله العادل قد نقض حرية الإرادة التي منحها للإنسان بتمكين إرادة سواها لتسيطر على مشاعره وسلوكه وتؤذيه, ولو صح ذلك فلا نملك إلا الدعاء إيمانا بالله وتسليما بقدره خاصة إذا كانت من الغيبيات الواجبة التفويض بلا تعيين, وهذا هو مضمون الرقية الشرعية وما سواها جهل بالدين أو دجل, وقالت أنها وافقت على الحضور لمدعي بعلم الغيب لم يدرس الدين لتهرب من التوبيخ وتتفرج على السذج, ولكنها تستعين بالله على جهل أهلها ولا تضيع صلاة.

تحليل النتائج والتوصيات:
باعتبار كثافة السكان اختيرت منطقة دلتا النيل بمصر لدراسة ظاهرة انتشار العيادات الشعبية للرقاة, ونتيجة للخجل الاجتماعي المترسب في الأذهان من استشارة الطبيب النفسي تجنبا للاتهام بالجنون مع الوهم الجماعي بإمكان سيطرة الجان على الإنسان نفسًا وبدنًا وظروفًا وجد أن عدد المرتادين يوميا لعيادات الرقاة يفوق بكثير عدد الحالات في العيادات النفسية, وتتخفى وراء انتشارها ضغوط اجتماعية لا يملك الفرد مواجهتها فيعلق همومه على مجهول وبالاقتناع بطرده ينال الارتياح, فالمشاكل العائلية التي تصاحبها عوارض نفسية قد تكون نتيجة مباشرة للصعوبات الاقتصادية, والعوارض النفسية للزوجة التي يعمل زوجها بالخارج قد ترجع لمنع قوانين عمل زوجها استقدامها وتمنعه من السفر إليها إلا بعد عام أو عامين, وفيما يجب أن يكون عليه المجتمع المسلم لنا عبرة في قصة عمر مع المرأة التي غاب عنها زوجها أشهر قليلة في الحرب, ولذا يمكن الاستنتاج أن ظاهرة انتشار العيادات الشعبية للرقاة والمعوذين مؤشر قوي على الحالة الإيمانية والتكافلية للمجتمع.

وقد بلغت نسبة الذكور 24.5% من مجموع الحالات بينما بلغت نسبة الإناث 75.5% من الحالات أي حوالي ثلاثة أمثال الذكور؛ مما يؤكد أنهن أكثر استعدادا للتأثر بالإيحاء وأقل تحملا للضغوط خاصة في فترة البلوغ ومرحلة التلاؤم في حياة زوجية, وكانت أغزر نسبة في تلك الفترة مما يؤكد وجود فروق نفسية بين الجنسين غير الفروق الجسمانية, وقد بينت الدراسات في البيئة العربية بالفعل وجود فروق بين الجنسين في سمات الشخصية Personality Traits, فالأنثى تميل إلى الخضوع (د. جابر عبد الحميد 1969) والتبعية (د. مصطفى تركي 1980) وهي أكثر قابلية للأمراض النفسية كالقلق والاكتئاب والخوف (د. محمود أبو النيل 1984, د. رشاد موسى 1989, د. أحمد عبد الخالق 1996), بينما يتسم الذكر بالجرأة والاندفاع والجدية والصرامة والنزوع إلى السيطرة والعنف وعدم إظهار الضعف (د. بدر الأنصاري 1997), وترتبط الفروق النفسية بين الجنسين بالفروق الطبيعية وتأهيل كل منهما لدور متميز في الحياة, وعلى سبيل المثال يصاحب تغيرات المزاج Mood في الحيض تغيرات هرمونية (Ruble 1977, Tampax 1981), وهنا يتجلى إعجاز القرآن الكريم لمراعاته لتلك الفروق الطبيعية في التشريع برهانًا على أنه الحق من عند العليم بخلقه سبحانه, يقول تعالى: "اللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مّتَشَابِهاً مّثَانِيَ تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ" [الزمر:23].

المحور الأول
اكتشاف مذهل
الإيمان شفاء للنفوس والأبدان

قبل الثورة المحمومة في مجال العلوم التجريبية خاصة في القرون الثلاثة الأخيرة وتوفر الأدوات اللازمة لم يكن لبشر المعرفة بآلية الوظائف العقلية العليا التي تميز الإنسان عن الحيوان وتحديد مواقعها بالمخ, وشيئا فشيئا اكتُشفت المناطق المتعلقة بالحواس والكلام والحركة وبدأت تتضح معالم المنظومة العاطفية ومنظومة الأنشطة اللاإرادية والأساس الكيميائي للنشاط العصبي وأصبح في الإمكان تسجيل كهربية المخ من الخارج باستخدام جهاز رسم المخ وتمييز مختلف الأنشطة الذهنية والتصوير الإشعاعي لكشف تراكيبه وعرفت بعض الفوارق التشريحية والوظيفية مع الحيوان وأمكن تصور آلية بعض الوظائف العليا كالتذكر والتعلم, واليوم ونحن في مستهل قرن جديد يبشر بغزو مجاهل الدماغ واكتشاف إمكانات المخ في التوجيه الفطري تفاجئنا تلك الأبحاث العلمية باكتشاف مذهل يجعل الإيمان بالله تعالى وعبادته نزوع فطري وملكة مغروسة بالمخ لها آلياتها ومراكزها, وإذا لم يحسن الإنسان توظيفها فقد أهم ما يميزه عن الحيوان وتعرض لفقدان التوازن النفسي والبدني, والعجيب أن توظيف تلك الآليات يتفق مع التوجيهات الدينية ممثلة في أتم وأشمل وأنقى صورها بالإسلام بالإضافة إلى تضمن القرآن الكريم لكثير من الحقائق المكتشفة التي لم تبدأ معرفتها إلا منذ أقل من نصف قرن.

وقد اهتم علماء النفس بتحديد العلاقة بين نفس وجسم الإنسان وتأثير كل منهما على الآخر, وأصبح من المعلوم حاليا أن الكثير من الأمراض الجسمية يمكن أن تصاحبها مضاعفات نفسية أو تكون لها جذور نفسية، فنشأ فرع الأمراض النفس جسمانية Psychosomatic Disorders، قال د. بدر الأنصاري: "يفترض بعض الباحثين أن التشاؤم Pessimism يزيد من احتمالات إصابة الإنسان بالأمراض العضوية مثل السرطان, كما يرتبط التشاؤم بعديد من الاضطرابات النفسية كالاكتئاب واليأس والميل إلى الانتحار والوجدان السلبي والفشل في حل المشكلات والنظرة السلبية إلى صدمات الحياة والشعور بالوحدة وارتفاع معدل النبض ومعدل ضغط الدم الانقباضي Systole, وقد بينت بعض الدراسات التي أجريت على مرضى السرطان وجود علاقة ايجابية بين التشاؤم وسرعة انتشار مرض السرطان (Weismen, Warden & Sobell 1980; Morrow & Fetting 1983; Temoshok et. al, 1985; Diclemente & Temoshok 1985; Peterson & Bossio 1991; Scheier, Weirtraub & Carver, 1986), وقد يؤدى الشعور باليأس إلى سرعة انتشار السرطان في الجسم"(1), وفي المقابل قد يفتح ذلك بابا واسعا لبحوث تؤكد التأثير العضوي للإيمان والخشوع والرضا بالقدر مما قد يفسر ظواهر كالشفاء الذاتي في بعض حالات السرطان, ومن البشائر كشف مركز بالمخ ينشط بالتأمل Meditation المصاحب للعبادة ويعيد الوظائف الجسمية الأساسية إلى حالة الاسترخاء Rest State مؤيدا فطرية الإيمان وتأثيره العضوي إيجابيًا.

وخلاصة الأبحاث العلمية التي نشرت للمرة الأولى عام 2001 وأجريت على المخ بتقنية جديدة للأشعة السينية(2) وقام بها فريق علمي على رأسه د. أندرو نيوبيرج Andrew Newberg أستاذ علم الأشعة Radiology بكلية الطب بجامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية هي أن: "الإيمان بالله تصميم داخلي built-in Design داخل المخ"(3), وبهذا لا يمكن لأحد التخلص منه إلا تعاميا عن الفطرة السوية التي جعلت الإنسان ينزع للتدين على طول التاريخ وتعطيلا لقدرات هائلة وإمكانات بالغة التعقيد والتطور تمكنه من إدراك قدرة الله تعالى بالتفكر والاستقراء للخلق والتحليل والاستنتاج, ويمكن وصف الإنسان وفق عبارات د. نيوبيرج نفسه بأنه: "موجه بقوة نحو التدين hard-wired for Religion" وأن: "التجربة العملية لا يمكنها أن تخبرنا بطريقة مباشرة عن ذات الله ولكنها تخبرنا كيف خلق الإنسانَ لكي يعرفه ويعبده", وهي تخبرنا أن: "عبادة الله وظيفة والإيمان به مطلب طبيعي يماثل الطعام والشراب", وأن: "المخ البشري ليس معدا تشريحيا ووظيفيا فحسب للإيمان بالله وعبادته وإنما هو أيضا مهيأ عند قيامه بوظيفة العبادة لحفظ سلامة النفس والبدن بتوجيه العمليات الحيوية خلال منظومة عصبية وهرمونية متشابكة", وبهذا نزداد يقينا في وجود الله تعالى وقدرته وإلا فلا فائدة من الملكات الهائلة الممنوحة للإنسان والتي ميزته عن كافة الأحياء الأخرى في الأرض, وهكذا لم يعد الإيمان بالله تعالى في الدراسات العملية الحديثة ضربا من الفلسفة والخيال الشعبي كما كان يردد الملاحدة بلا مستند في أوائل القرن العشرين, فقد خاب ظنهم أن الإنسان قد صنع ديانته بعدما تأكد أن: "الله قد خلقه متدينا بطبيعته ومؤهلا بقدرات كي يعرفه ويعبده".

وكما يصبح الإنسان نظيفا إذا مارس الوضوء حتى ولو لم يكن مسلما كذلك يناله الخير إذا مارس سلوكيات العبادة كالتفكر والخشوع والتأمل Meditation لأنها توظف مراكز أشبه ما تكون بمراكز الإيمان داخل المخ تعمل على الارتخاء والتخلص من المشاعر السلبية مثل الخوف والقلق والاكتئاب, وينتقل الإنسان من حالة الاستنفار والتوتر إلى حالة الراحة والسكينة حتى ولو لم يكن لصاحبها نصيب في ثواب الآخرة, وبإعلان مراكز الإيمان عن نفسها يمكن كشفها إذا وجدت التقنية المناسبة, وباستخدام تقنية خاصة في التصوير بالأشعة السينية تجعل في الإمكان معاينة التغير في نشاط مختلف المناطق الوظيفية بالمخ أمكن تحديد مناطق تختص بالتركيز الفكري بالفص الجبهي (الناصية) يزداد نشاطها أثناء تلك الخبرة التأملية, ولكن تغير النشاط في منطقة الفص الصدغي التي تجعل الإنسان يدرك وجهته بالفراغ كان ملفتا للنظر, ويفترض نيوبيرج أن تغير نشاط تلك المنطقة يفسر إحساس الزهاد الذين بلغوا في صلواتهم درجة استغراق عميقة بانتقالهم بعيدا عن العالم الفيزيائي حولهم إلى حالة روحية لا يدركها غيرهم إلا بمعايشة نفس التجربة, وهم خلال تلك الحالة من التحليق الروحي والتسامي الإيماني يشعرون خلال أداء الأذكار والصلوات بعدم الاهتمام بالعالم الفيزيائي المحيط وأنهم في حضرة جلال أسمى ومعية ذات عليا قاهرة تأسر الفؤاد وتملك الوجدان يتضاءل معها كل شيء ويفقد أهميته.

وهكذا تأكد أن الاستغراق في العبادة يفتح آفاقا من الشعور بالتسامي ويقدم عونا على التخلص من آلام ومعاناة النفس والشفاء من الاضطراب كالقلق والتوتر والكآبة وتأثيراتهم البدنية, وتكرر الممارسة بانتظام يجدد القدرات بالانتقال إلى عالم تسترخي فيه النفس وتستريح من الضغوط, وفي تلك الحالة يُفقد الاهتمام بالعالم الخارجي رغم تزايد التنبه والوعي والجلاء أو تزايد الشعور به بل ربما عند درجة ما تزداد القدرة على احتمال الألم العضوي, قال د. لورنس ميكيني عميد المؤسسة الأمريكية لعلاج الاضطرابات الذهنية: "إن ممارسة التأمل العميق باعتباره صوره من الخشوع قد يساعد في حد ذاته على التغلب على الشعور بالألم النفسي والإحباط ويعيد التوازن في توزيع النشاط في مراكز المخ ويفرغ شحنات الشعور بالتعاسة وفقدان الأمل حتى عند غير المؤمنين", وما يهمنا نحن المسلمون هو أن الشريعة الغراء قد سبقت في الحث على ذكر الله وإقامة الصلاة ونوهت بدور الإيمان والخشوع في راحة النفس؛ قال تعالى: "الّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنّ الْقُلُوبُ. الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ طُوبَىَ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ" الرعد 28و29, ومن توجيهات القرآن الكريم أن الخشوع في العبادة مفتاح السعادة؛ قال تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ" المؤمنون 1و2, وفي الأثر قول النبي محمد عليه الصلاة والسلام آمرا بالأذان: "أرحنا بها يا بلال"(4) , ولنا أبلغ الأثر في قصة التابعي عروة بن الزبير عندما أصيبت قدمه بمرض يستلزم بترها أيام الخليفة الوليد بن عبد الملك فطلب ألا يقطعوها إلا أثناء الصلاة تجنبا للألم(5).

ووفق ما قاله د. ميكيني قد بدأت "الدراسات النفسية الدينية" في الستينيات من القرن الماضي عندما ذهبت مجموعة من الباحثين الأمريكيين إلى الهند لدراسة الموجات الكهربية للدماغ EEG لممارسي اليوجا, وفي عام 1980 أطلق ميكيني ومساعدوه مصطلح "الدراسات النفسية الدينية Neurotheology" وأخرج عام 1994 كتابه بنفس الاسم, ويقدم هذا العلم الجديد تأييده التام للحقيقة الجوهرية في الدين وهي الإيمان بالله, قال ميكيني : "ويكفي أننا قد أوجدنا طرقا عملية لقياس الأنشطة الفكرية ولم يعد الإيمان بالله والمشاعر خلال الممارسات الدينية نشاطا فكريا غير قابل للتجربة والإثبات, ومن تلك التقنيات الجديدة طريقة التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي (MRI) Functional magnetic resonance imaging وقد أكدت نتائج نيوبيرج بالفعل", وبالمثل أكدت مجموعات طبية أخرى تلك النتائج منها فريق في بوسطن قام بفحص عدة متطوعين باستخدام تقنية الرنين المغناطيسي MRI فأكد وجود النشاط غير العادي خلال فترات الاستغراق التعبدي والخشوع لمناطق التركيز الفكري, واكتشف تغيرات في نشاط مناطق أخرى بالمخ تتعلق بالإثارة Excitability, ووجد فريق آخر بقيادة د. دوسيك عميد المعهد الطبي للأبحاث الذهنية تغييرا ملحوظا كذلك في نشاط مراكز بالمخ تتعلق بالذاكرة.

ويقول د. بليتريني من جامعة بيزا في إيطاليا: "إن كل شئ نفعله أو نستشعره من نشاط بسيط كحركة إصبع إلى أعمق الانفعالات العاطفية الخبيئة بالنفس أو البادية مثل الغضب والحب يرسم خريطة مميزة المعالم للمراكز المتأثرة بالمخ ويصاحب كل شعور نموذج محدد يمكن تسجيله وتحليله كالتحاليل الطبية العضوية تماما, وهذا المجال الجديد لاستطلاع دخيلة الإنسان من عواطف ومشاعر وأفكار ومدى تأثره بالاعتقاد الديني ساحر حقا, ويدخل فيه الباحثون اليوم بحذر حريصين على المنهج العلمي في البحث والتحليل كبقية مجالات العلوم التجريبية", ويقول د. مايكل ماكلوف من جامعة دالاس بالولايات المتحدة الأمريكية: "يتأثر الوجدان النفسي الروحي بالعالم الخارجي ويؤثر في الجسد ويمثل الإيمان والعبادة صمام أمان لتلك التأثيرات الطبيعية, وقد أفضت دراسته إلى أن الطبيعة البشرية مصممة بحيث تحفظها العبادة في توازن تام وتقيها الاضطراب" , وفي تحليل شمل 42 دراسة ميدانية واسعة وجد د. ماكلوف أن معدل الوفيات يقل بالاستغراق في الصلوات وبقية العبادات, وهذا التأثير مستقل عن عوامل أخرى مضرة بالصحة كتناول الخمور والتدخين, ولم يفت د. نيوبيرج أن يعلق على تلك النتيجة العجيبة بقوله: "نحن لا ندري حتى الآن على وجه اليقين كيف يؤدي الإيمان العميق والاستغراق في العبادة إلى الحفاظ على سلامة النفس وصحة البدن ومكافحة المرض وإطالة العمر, ولكن معرفتنا لآليات عمل الجسم البشري خاصة المخ تؤهلنا لتلمس آفاقا جديدة من البحث لنثبت يوما ما بحيادية وجود تأثيرات عضوية للإيمان والعبادة ندرك منها اليوم استقرار عدد ضربات القلب وضغط الدم والتغير الهرموني كماً ونوعاً والميل العصبي لتحقيق حالة من الهدوء نتيجة الخشوع والاستغراق, وقد تؤدي تلك العوامل وغيرها إلى تنشيط جهاز المناعة"(6).
والتفكر الإيماني والذكر العميق والعبادة باستغراق خاصة في الصلاة ليست ممارسات خالية من التأثير الإيجابي على النفس كما على الجسد, فقد أثبتت الدراسات صحة المشاعر التي يصفها من عايشها في لحظة انفعال إيماني, ولا نجد تعبيرات عن قمة الشعور الإيماني سوى ألفاظ كالنشوة والرضا والسعادة والبهجة والنعيم وراحة البال, وتلك الحالة لا يرتقي إليها إنسان بطريق آخر كإشباع لرغبة عابرة أو تحقيق أمل بعيد المنال, ولذا طمح د. نيوبيرج رصد حالة الصفاء والهناء تلك بلا كدر وخز الضمير وعبء شعور بالذنب ليخصها بالوصف, ولكن بلوغ تلك الدرجة وإمكان تسجيلها صعب التحقيق ولذا اكتفى د. نيوبيرج بعدد من الحالات التي مارست بعض ذلك الشعور ووصفته بأنه حالة من الارتياح والخفة والصفاء رغم التنبه للمؤثرات الخارجية, ويصاحب حالة النشوة أو التحليق الروحي تلك زيادة الشعور بالعالم أو ما يسمى بالجلاء الروحي الذي يتكامل عند بلوغ الخشوع غايته حيث الطهارة والسمو والرفعة الروحية وأنفس متعة يمكن تحصيلها, ووفق ما سجله د. نيوبيرج كان شعور الذين خضعوا للتجارب لما حولهم أكثر واقعية ووضوح وجلاء عما اعتادوا خلال أداء الأنشطة اليومية, وكان صحيا ونقيا لم يصاحبه أي نوع من الخوف أو تشويش الذهن أو فقدان الشعور بالزمان والمكان أو الوساوس والهلوسة كما يحدث في حالة الإصابة بالأمراض النفسية والعقلية وتعاطي المخدرات والإدمان بالعقاقير, ولم تهدف التجارب في المجال النفسي تلك لتمييز زيف أو صحة الاعتقادات وإنما إلى اكتشاف الآليات حتى عند غير المؤمنين, وهي تبين امتلاك الناس جميعا لأدوات للإيمان تنفعل بالخشوع في العبادة فتحفظ صحة النفس والبدن, وهذه الأدوات تصبح معدومة القيمة ولا عمل لها إذا لم توظفها العبادة مما يؤكد أن الإيمان بالله تعالى فطرة مركوزة في النفس البشرية ويؤيد صدق دعوة الأنبياء جميعا إلى عبادة الله الخالق وحده ويدحض ادعاء المغرضين في أن جوهر الدين في الأصل من ابتداع المخلوقين, وخلاصة تجارب د. نيوبيرج وأمثاله تقول: "إما الرفعة والسعادة والمتعة الحقيقية في العبادة وإما الشقاء والجحيم", ولو تأمل الباحثون في ذلك المجال الجديد لوجدوا أن ما توصلوا إليه ليس إلا بعض ذخائر القرآن الكريم بصفته الكتاب الجامع للتعاليم الأصلية للرسل أجمعين والحاوي الوحيد لشريعة عالمية غير قومية تنسجم مع الفطرة السوية.

المحور الثاني
الاستشفاء بالقرآن في منظور الشريعة الإسلامية

قال د. خالد بن عبد الكريم اللاحم في باب قراءة القرآن بقصد الاستشفاء بكتابه "مفاتح تدبر القرآن والنجاح في الحياة" (ج1ص40): "قال الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ" [يونس:57]، وقال تعالى: "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا" [الإسراء:82]، وقال تعالى: "قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ" [فصلت:44], فالقرآن شفاء للقلوب من أمراض الشبهات والشهوات والوساوس كلها؛ القهري منها وغيره, وشفاء للأبدان من الأسقام، فمتى استحضر العبد هذا المقصد فإنه يحصل له الشفاءان: الشفاء العلمي المعنوي والشفاء المادي البدني بإذن الله تعالى..، والشفاء بالقرآن يحصل بأمرين: الأول القيام به وخاصة في جوف الليل الآخر مع استحضار نية الشفاء, والثاني الرقية به"(7), وقال السيوطي في الإتقان (ج1ص423): "أخرج البيهقي.. أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجع.. قال: (عليك بقراءة القرآن)", وفي سنن ابن ماجة (ج10ص326): "عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خَيْرُ الدَّوَاءِ الْقُرْآنُ)", وفي حاشية السندي على ابن ماجه (ج6ص434) قال: "قَوْله (خَيْر الدَّوَاء الْقُرْآن) إِمَّا لِأَنَّهُ دَوَاء الْقَلْب فَهُوَ خَيْر مِنْ دَوَاء الْجَسَد وَإِمَّا لِأَنَّهُ دَوَاء لِلْجَسَدِ فَتَزْدَاد الْمَزِيَّة.., وشَرْط التَّدَاوِي بِهِ حُسْن الِاعْتِقَاد وَمُرَاعَاة التَّقْوَى", وفي كشف الخفاء (ج2ص95) قال العجلوني: "رواه القضاعي والسجزي عن علي مرفوعا (القرآن هو الدواء) وسنده حسن كما قال المناوي..، وعند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني عن ابن مسعود موقوفا, وعند ابن ماجه والحاكم وصححه البيهقي عنه مرفوعا: (عليكم بالشفاءين؛ العسل والقرآن)", وعند ابن حبان (ج13ص464) وفي موارد الظمآن (ج1ص343): "عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وامرأة تعالجها أو ترقيها فقال: (عالجيها بكتاب الله)", وقد صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم 1931).
والاستشفاء بالقرآن إصلاح شامل للنفوس والأبدان فيقتضى تدبر معانيه والعمل بتعاليمه وإقامة أركانه باعتباره منهج حياة خاصة الصلاة, قال د. إبراهيم النقيثان: "الصلاة راحة للمؤمن حيث بها يناجي ربه وخالقه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما رواه النسائي: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).., وروى أبو داود عنْ حْذَيْفَةَ قولَه: (كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلّى)، وروى أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (يا بلال أرحنا بالصلاة), وذلك كما يشير فارس علوان (في كتابه وفي الصلاة وقاية) لما: (تضفيه الصلاة على المسلم من أمن واستقرار نفسي وتوازن عصبي وانسجام عقلي كلها ممزوجة براحة الضمير وشعور بالسعادة والبهجة وإشباع في العاطفة ولذة في الروح لا تعادلها لذة، هذه المعاني السامية يحسبها غير المصلي هراء ويعدها معاني جوفاء فيبقى محروما منها مهما أوتي من مال أو علم أو ترف), وذكر عبد الرءوف المناوي في فيض القدير حين شرحه لحديث (قمْ فَصَلِّ ، فَإِنَّ فِي الصلاةِ شِفَاءً) والذي رواه أحمد وابن ماجة ما نصه: (فإن في الصلاة شفاء من الأمراض القلبية والبدنية والهموم والغموم قال تعالى: "وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ" [البقرة:45]، ولهذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إليها، والصلاة مجلبة للرزق حافظة للصحة دافعة للأذى مطردة للداء مقوية للقلب مفرحة للنفس مذهبة للكسل منشطة للجوارح ممدة للقوى شارحة للصدر مغذية للروح منورة للقلب مبيضة للوجه حافظة للنعمة دافعة للنقمة جالبة للبركة مبعدة للشيطان مقربة من الرحمن, وبالجملة لها تأثير عجيب في حفظ صحة القلب والبدن وقواهما..، لاسيما إذا وفيت حقها من التكميل)..، وكما يقرر فارس علوان..: (في الصلاة لذة لا يشعر بها إلا من أخلص وجه لله ومتعة لا يتذوقها إلا من استقرت حلاوة الإيمان في قلبه وراحة نفسية قلما توجد إلا عند من خضعت جبهته لله), ويشير محمد نجاتي (في كتابه الحديث وعلم النفس) إلى أثر الصلاة في جانبها النفسي فيقول: (للصلاة تأثير فعَّال في علاج الإنسان من الهم والقلق، فوقوف الإنسان في الصلاة أمام ربه في خشوع واستسلام وفي تجرد كامل عن مشاغل الحياة ومشكلاتها إنما يبعث في نفس الإنسان الهدوء والسكينة والاطمئنان ويقضي على القلق وتوتر الأعصاب الذي أحدثته ضغوط الحياة ومشكلاتها.. ويبعث في النفس الأمل ويقوي فيها العزم والهمة.. وللصلاة تأثير في علاج الشعور بالذنب الذي يسبب القلق.. وعلى الجملة فإن للصلاة فوائد.. تساعد على شفائه من أمراضه البدنية والنفسية وتزوده بالحيوية والنشاط)..، ويؤكد ذلك فارس علوان بقوله: (إن الطمأنينة النفسية والسكينة الروحية وشعور الأمن والاستقرار التي تضفيها الصلاة في قلوب المتقين وألباب الخاشعين تجعل الأمراض النفسية والشعور بالخوف والقلق والغضب والحزن والوحدة القاتلة والأمراض العقلية كالخرف نادرة الحدوث في مجتمع المصلين، قال تعالى: "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً" [النحل:97].., وقال تعالى: "الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ" [الأنعام:82], وأما عن غيرهم فقد قال تعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا" [طه:124]، هذه بعض الآثار لهذه العبادة العظيمة, ولحكمة يعلمها الله عز وجل جعلها تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات"(8).

المحور الثالث
الاستشفاء بالقرآن في منظور الطب الحديث

قال د. رامز طه: "إذا كان البعض يدعى أن الطب النفسي Psychiatry وعلم النفس Psychology لا علاقة لهما بالدين فإنني أؤكد خطأ هذا الادعاء وعدم صحته تماماً خاصة فيما يتعلق بجزئية العلاج النفسي حيث القضية تعديل اعتقادات وأفكار ومفاهيم مرتبطة أشد الارتباط بالأخلاق والعادات والدين, وإن تجاهل الحضارة الغربية لأهمية الجوانب الروحية والدينية وضعها الآن في مأزق وهى تكتشف كل يوم آثار الإيمان والاعتقاد في النشاط النفسي والذهني بل وفى تغيير بيولوجيا الجهاز العصبي وكافة أجهزة الجسم، وعلى سبيل المثال فقد تم التأكد بصورة جازمة على ازدياد قدرة جهاز المناعة على قهر الأمراض المختلفة حتى تلك الأمراض الخبيثة عندما ينجح الإنسان في توظيف طاقات الأيمان الهائلة الموجودة داخله, وقد اعتمد العلاج النفسي على مر العصور على الدين واستعان به للمساعدة على مواجهة لحظات الهزيمة والألم واليأس، وإن إساءة استخدام البعض لهذه الجوانب المشرقة في حياة البشر لا يجعلنا نرفضها وندير ظهرنا لها, وقد أدرك عالم النفس الأمريكي وليم جيمس William James أهمية الأيمان للإنسان لتحقيق التوازن النفسي ومقاومة القلق.., وشكلت الجمعية الأمريكية للطب النفسي فريق من الباحثين لدراسة الجوانب الدينية والروحية وآثارها على الصحة النفسية.. مما يشكل دافعاٌ آخر لنا للاهتمام بالعلاج النفسي الديني وتطويره خاصة مع ضعف النتائج والفشل في علاج بعض الأمراض النفسية في المنطقة العربية خاصة الإدمان والتي أكدتها أكثر من دراسة من منظمة الصحة العالمية WHO", وقد لاحظت من خلال ممارستي الطويلة أن بعض المرضى يعالجون أنفسهم ذاتيا بقراءة القرآن الكريم بعمق وخشوع وتأمل لمعانيه, وأنهم ينجحون غالباً في خفض درجة توترهم والتغلب على مشاعر الخوف والقلق والإحباط والوساوس التي تسيطر على أذهانهم بدرجة كبيرة تساند العلاج الدوائي وأساليب العلاج النفسي الأخرى, ولأن المرض النفسي ذو شقين أحدهما فكري أخلاقي والأخر جسماني فان العلاج يجب أن يتم بمعالجة آلام النفس بالكلمة والمناقشة وتعديل التفكير والسلوك بالإيمان والقيم والأخلاق ومعالجة الجسم الذي أختلت وظائفه بالأساليب الطبية والدواء في علاج تكاملي شامل.., وهكذا لم نبعد كثيراً عما جاء به القرآن الكريم منذ أكثر من ألف سنة, قال تعالى: {وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ} الإسراء 82, وقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} فصلت 44"(9).
وقالت الباحثة ناهد عبد العال الخراشي: " هناك تساؤل يطرح نفسه: لماذا تعجز المجتمعات الحديثة بالرغم مما لديها من تطور هائل في التكنولوجيا وفي جميع وسائل الحياة عن أن تخلق مجتمعاً آمناً؟ الجواب هو فقد الإيمان, فبعيداً عن الدين انحدرت الفضائل وضاعت القيم والأخلاق, قال وليم جيمس عالم النفس الأمريكي: إن أعظم علاج للقلق هو الإيمان.., وذكر نهري لينك في كتابه (العودة إلى الإيمان): الذين يترددون على دور العبادة يتمتعون بشخصية أقوى وأفضل ممن لا دين لهم ولا يقومون بالعبادة.., وقال أليكس كاريل في كتابه (دع القلق وأبدأ الحياة): إن أولئك الذين لا يعرفون كيف يتخلصون من القلق يموتون صغار السن.., وقال في مقال منشور: الصلاة هي أقوى شلال للطاقة يستطيع المرء توليده.., وقال توماس هايسلون: إن الصلاة أهم وسيلة عرفت حتى الآن لبث الطمأنينة في النفوس وبث الهدوء في الأعصاب.., فالحياة (إذن) كنز ونفائس وأعظمها الإيمان بالله وطريقها منارة القرآن الكريم, والإيمان إشاعة الأمان, والأمان يبعث الأمل, والأمل يبعث السكينة, والسكينة نبع السعادة حصادها هدوء نفسي, فلا سعادة بلا سكينة نفس، ولا سكينة نفس بغير إيمان, ومما لا شك فيه أن للقرآن الكريم أثر عظيم في تحقيق الأمن النفسي والطمأنينة القلبية والسكينة, والسكينة.. نور يسكن إليه الخائف ويطمئن عنده القَلِق.., والقرآن الكريم فيه من عطاء الله ما تحبه النفس البشرية وتميل إليه، إنه يخاطب ملكات خفية في النفس.. تنفعل حينما يقرأ الإنسان القرآن, ولذلك حرص الكفار على ألا يسمعه أحد لأن كل من يسمعه سيجد له حلاوة وتأثير قد يجذبه إلى الإيمان, ولا شك أن في القرآن الكريم طاقة روحية هائلة ذات تأثير بالغ الشأن في نفس الإنسان، فهو يهز وجدانه.. ويصقل روحه ويوقظ إدراكه وتفكيره ويجلي بصيرته، فإذا بالإنسان بعد أن يتعرض لتأثير القرآن يصبح إنساناً جديداً, وإن كل من يقرأ تاريخ الإسلام ويتتبع مراحل الدعوة الإسلامية منذ أيامها الأولى ويرى كيف كانت تغير شخصيات الأفراد يستطيع أن يدرك مدى التأثير العظيم الذي أحدثه القرآن الكريم في نفوسهم, وتمدنا دراستنا للتاريخ بأدلة عن نجاح الإيمان بالله في شفاء النفس البشرية من أمراضها وتحقيق الشعور بالأمن بالطمأنينة, وقد بين القرآن ما يحدثه الإيمان من أمن وطمأنينة في نفس المؤمن بقول الله تعالى: "الّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مّهْتَدُونَ" [الأنعام:82], وقوله تعالى: "وَمَن يُؤْمِن بِاللّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ" [التغابن:11], وتتحقق للمؤمن سكينة النفس وأمنها وطمأنينتها لأن إيمانه يمده بالأمل والرجاء في عون الله تعالى ورعايته وحمايته فالإيمان هو الذي يقودنا إلى الأمان والطمأنينة والسعادة"(10).
وقال د. وائل أبو هندي: "أنصح كل من يستطيعُ من المرضى أن يقرأ القرآن الكريم بأن يفعل ذلك ما عدا في الحالات الذهانية التي لا يدرك المريض فيها أفعاله، وأما جميع الحالات الأخرى بما في ذلك مرضى الوسواس القهري فإن قراءة القرآن الكريم جزءٌ من علاجهم.., (وأما بخصوص وجود) علاقة بين الأمراض النفسية وضعف الإيمان..، فهذا الاعتقاد الخاطِئ لدى الناس إنما جاء من أمرين: الأول هو عدم إدراك الناس لمعنى المرض النفسي والثاني هو نظرة الناس للأمراض النفسية على أنها مركب نقص، ولبحث هـذا علينا أوَّلا أنْ نفـرّق بين الأعراض النفسية والأمراض النفسية؛ فالأعراض النفسية هي تلك التفاعلات النفسية التي تطرأ على الفرد نتيجة تفاعله مع ظروف الحياة اليومية، وتستمر لفترات قصيرة، وقد لا يلاحظها الآخرون، ولا تؤثر عادة على كفاءة الفرد وإنتاجيته في الحياة، كما لا تؤثر على عقله وقدرته في الحكم على الأمور, وتعد هذه العوارض النفسية جزءا من طبيعة الإنسان التي خلقه الله بها؛ فيبدو عليه الحزن عند حدوث أمر محزن ويدخل في نفسه السرور والبهجة عند حدوث أمر سار, وهذا أمر مشاهَد معلوم لا يحتاج لإثباته دليل ويحدث لكل أحد من الصالحين والطالحين سواء, أمـا الأمراض النفسية فأمرها مختلف وهي لا تقتصر على ما يسميه الناس بالجنون, بل إن معنى المرض النفسي معنى واسع يمتد في أبسط أشكاله من اضطرابات التأقلم مع الأحداث الحياتية إلى أشد أشكاله تقريبا متمثلا في فصام الشخصية أو الذهان الدوري، كما أنه ليس شرطا أنْ تُستخدم العقاقير في علاج ما يسميه الأطباء النفسيون بالأمراض النفسية، بل إن منها ما لا يحتاج إلى علاج دوائي؛ فهي تزول تلقائيا وربما لا يحتاج معها المريض سوى طمأنته كما يحدث عادة في اضطرابات التأقلم البسيطة, ويعتمد الطبيب في تشخيص الاضطراب أو المرض النفسي بشكل كبير على ثلاثة أمور: نوعية الأعراض وشدة الأعراض ومدة بقاء هذه الأعراض, فلتشخيص المرض النفسي يجب أنْ يحدث عند المريض أعراض غريبة أو ربما أعراض غير مألوفة كالضيق والحزن مثلاً، وتستمر لمدة ليست بالطارئة أو القصيرة وبأعراض واضحة تكون كفيلة بتشخيص المرض النفسي في تعريف الأطباء, ولذلك فإن من يحزن لفقد قريب أو عزيز ويتأثر بذلك فإننا لا نصفه بأنه مريض نفسي إلا إذا استمر حزنه لمدة طويلة ربما تصل لعدة أشهر أو بضع سنوات وبدرجة جلية تؤثر على إنتاجية ذلك الفرد..، ولعلي أعجب من البعض الذين يربطون درجة التقوى والإيمان بامتناع الإصابة بالأمراض النفسية دون العضوية فلقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه).., وهذا البيان النبوي شامل لجميع الهموم صغيرها وكبيرها وأيًّا كان نوعها، وفي الأصل فإن الأمراض النفسية مثل غيرها من الأمراض ولا شك وهي نوع من الهم والابتلاء ولذلك فإنها قد تصيب المسلم مهما بلغ صلاحه, كما أنه لم يرد في الكتاب الكريم ولا في السنة المطهرة ما ينفي إمكانية إصابة المسلم التقي بالأمراض النفسية حسب تعريفها الطبي.., وقد ذكر الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه (المنقذ من الضلال) وصفا لنوبة الاكتئاب الحادة التي أصابته هو شخصيا وهو المعروف بعلمه وتقواه وورعه..، كما أن انتقال أغلب الأمراض النفسية عبر الوراثة يعكس بوضوح الطبيعة المرضية لتلك الأمراض، وبالرغم من ذلك كله فإن المسلم يتميز.. في أنه يحتسب ما يصيبه عند الله ويستعين بحول الله وقوته على مصائب الدنيا..، مما يخفف من أثر المصائب عليه.., ولذلك فإننا نلاحظ حدوث حالات الانتحار في المجتمعات الغربية تفوق بكثير ما يحدث في المجتمعات الإسلامية"(11).
وقال الدكتور فيصل محمد خير الزراد: "الحياة الإنسانية في مجتمعاتنا المعاصرة تعقدت كثيرا ولم تعد بهذه البساطة التي كانت عليها في السابق, لقد تفاقمت صعوبات الحياة وتعددت مشاكل الإنسان وزادت الأعباء وأصبح من الصعب على الإنسان تحقيق معظم حاجاته وطموحاته أو أن يسلك في الحياة دون معاناة أو ألم، وهذه الظروف الحياتية الصعبة والمتلاحقة بما فيها الظروف المادية الصعبة والتغيرات السريعة التي طرأت على مجتمعاتنا العربية والتحديات التي تواجه هذه المجتمعات والحروب المتلاحقة والعدوان والدمار وغير ذلك زادت من معاناة الإنسان وصراعاته الفكرية والنفسية كما زادت من الضغوط النفسية ومن حالات الإحباط والقلق والحرمان والاكتئاب.. وجعله (ذلك) يفقد توازنه العقلي والنفسي ويعرضه إلى العديد من الاضطرابات النفسية والعقلية والسلوكية ويضعف قدرته على العمل والعطاء والإنجاز كما يؤثر سلبا على صحة الإنسان وبيئته ومجتمعه, وهذا الحال ينطبق على كل إنسان ذكرا أم أنثى صغيرا أو كبيرا، وهنا يكون للطب النفسي الدور الأكبر في مواجهة هذه القضايا النفسية تشخيصها وعلاجها والوقاية منها.. (و)من الأهداف.. نشر الوعي الصحي لدى أفراد المجتمع.. للوقاية من الاضطرابات النفسية والعقلية والسلوكية وفهم طبيعة هذه الأمراض النفسية دون خوف أو مبالغة وأهمية اللجوء إلى الاختصاصيين في هذا المجال بعيدا عن أعمال السحرة والمشعوذين.. وما شابههم, وبعيدا عن أي تفكير خرافي غير علمي أو غير صحيح.. (و)التأهيل للحالات النفسية بما فيها حالات الانحراف والميل إلى الإدمان والانتحار والتواصل مع الاختصاصيين في مجال الطب النفسي وعلم الاجتماع والتربية"(12).
وقال د. عبد الستار أبو غدة: "من أشهر الأمراض النفسية: (1) القلقAnxiety ويعرف بأنه الشعور بالخوف الزائد من شر متوقع والإحساس بالعجز عن مواجهته.. (و)يعبر عنه المختصون بأنه حالة من التوتر الشامل الذي ينشأ خلال صراعات الدوافع ومحاولات الفرد للتكيف، (2) الاكتئاب Depression وهو حالة انفعالية تكون فيها الفاعلية النفسية الجسدية منخفضة وقد يصاحبها شعور باليأس والتفاهة وفقد الاهتمام والعجز عن التركيز, (3) الخورNeurasthenia ويقصد به تقليد شكوى الغير، أو كما يقول الشاعر..: أيها الشاكي وما بك داء.., وهو خلل وظيفي في السلوك يتصف بالشكوى الجسدية غير المستندة لواقع، وعلاج هذا المرض يكمن في التسلي عن المصائب والتذرع بالصبر.., (4) الاستحواذ أو الوسواس القهري Obsession: وهو سيطرة شعور أو فكرة بإلحاح بطريقة غير منطقية يعجز المصاب عن مقاومتها..، (وأما) وسائل العلاج.. فلابد لمنحها الثقة أو حجبها عنها من تحري ما تشتمل عليه.. من تصرفات ليست محل تحفظ شرعي وإلا فما جدوى علاج يشفي عللا ثانوية ويحدث شرخا في أركان الشخصية الإسلامية, فإذا روعيت هذه الضوابط فإن المعالج مطلق اليد في التصرف بحكمة.. ملحوظ فيها كل ما يحقق الحظوة للعليل، فإن المجال هنا مجال النفس في مشاعرها وليس الجسم في عضويته الآلية.. (و)المعيار الأسمى يتمثل في البناء القيمي الديني.. وأسمى قيمة هي الإيمان ليطمئن القلب والوجدان.. وهناك شعار يمكن رفعه في الدعوة إلى رحابة الصدر بهذا العلاج وهو مستمد من قول النبي عليه الصلاة والسلام تعقيبا على استعراضه بعض الرقى وإقرار ما كان منها خاليا من الشوائب المخلة بالعقيدة أو السلوك الإسلامي: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل), وإن تسليط الأضواء على هذا النوع من العلاج إتاحة للنفع..، فكما يحتاج المريض إلى عقاقير الدواء يحتاج إلى علاج الفكر.. والعلاج الروحي.. ميسور لمن لديه مبادئ إيمانية, على أننا حين نقرر العلاج الروحي لا نقبل من صوره إلا ما ثبتت شرعيته بالنصوص الصحيحة بعيدا عن الخرافات والأوهام وهو ما كان قائما على أدعية مشروعة تصدر من المريض نفسه أو ممن يتوسم فيه استجابة دعائه بعيدا عن التمائم والأحجبة.. ويدور العلاج الروحي.. على قراءة آية الكرسي والمعوذتين والدعاء والصلاة ونحو ذلك مما يقوي الإيمان ويريح النفس"(13).

المحور الرابع
الإيحاء وسيلة المعوذين

مع التوثيق بالصوت والصورة تبين تجاوز البعض حدود الرقية الشرعية ودخول شيء من الحيل والتخييل, فاستخدم مثلا سلك كهربائي يبدو طرفه موصولا بمصدر التيار ويتصل طرفاه من الجانب الآخر بامرأة لصعق الجني داخلها وفي جو الرهبة والخوف من سيطرة المجهول يبلغ الإيحاء أن تصرخ المرأة أو تتحدث بصوت خشن كأن جنيا يتحدث بلسانها ويشهد جملة نساء حولها بأنهن قد شممن رائحة شياط الجني المحترق بينما الكهرباء غير متصلة بالسلك, ومن وسائل الإيحاء Suggestion لتحقيق الشعور بالراحة بعد الاقتناع بطرد الغزاة الأجانب من الجان الذين نسبت إليهم كل المتاعب وجميع المشكلات استخدام جهاز تدليك يهتز ربما على مناطق حساسة بجسم الأجنبية أو وقوف أحدهم بثقله على بطنها وكلها ممارسات لا تتصل بنسب للرقية الشرعية, وبلغ تأثير الإيحاء أن يروي أحدهم بدهشة كيف أن سيارته قد كسر حامل عجلتها فجأة وكيف أن المعوذ قد اكتشف إصابتها بالجان حتى أنها أصدرت صوتا وبطاريتها منزوعة وبعد إصلاحها وطرد الجان لم يصبها شيء ولكنه لم يلاحظ أن سيارته متهالكة من السبعينيات, وقد أرجعت بعض الحالات المشخصة طبيا سلفًا إلى الجان خاصة الحالات النفسية مع الإيهام بطرده بوسائل متباينة أو التصالح معه, ولم تبين النتائج بعد استشارة المختصين تعذر التفسير الطبي والنفسي أو الضغوط الاجتماعية في كل الحالات ليسوغ التفسير الغيبي, وترجع الخطورة إلى أن التحسن الوقتي نتيجة للإيحاء قد يؤدي إلى تأخر المعالجة الطبية فتتفاقم الحالة, ولا يشفع للتجاوزات إضفاء هالة من الشرعية بتلاوة آيات أو التذرع بتحسن يدهش غير المختصين لحالات تبدو صعبة كالشلل الهستيري للجهل بأنه أحد الأمراض النفسية.
وباستعراض طرق عدد من المعوذين تبين اتخاذ بعضهم الرقية مهنة واستثمرها تجارة, وعلى سبيل المثال مثلما يؤسس بعضهم شركة لتطهير البيوت من خطر الفئران أسس أحدهم شركة لتنظيف البيوت من مفاسد الجان, وادعى آخر اكتشاف خلطة أعشاب لعلاج جميع الأمراض مقروء عليها آيات الشفاء وأدعية التحصين من القرآن والسنة والرقية الشرعية.
وقد تبين أن متوسط عدد الحالات التي ترد للرقاة أضعاف ما يرد على العيادات النفسية, وفي دراسة لعدد الرقاة في حي واحد تبين تزايدهم لأكثر من عشرة أغلبهم حرفيين والقليل جامعيين بينما لم يوجد أحد قبل حوالي ربع قرن مما يعكس وجود تغيرات جذرية تتعلق بضغوط اجتماعية ونفسية أدت إلى تسلط المعتقد الشعبي على العقول وإن تذرع بالمعتقد الديني, وممارسة أغلب الرقاة نوع من التطبب الشعبي اختلطت فيها قراءة الآيات والأدعية الشرعية ببدع على خلفية موحدة هي إمكان سيطرة الجان على إرادة الإنسان, وغالبا لا يملك المعوذ طارد الأرواح الشريرة The Exorcist أو الراقي معرفة تمكنه من تشخيص طبي أو نفسي, ولا يوجد مستند شرعي لتوهم استطاعته تشخيص حالة بعينها سحر أو عين أو تلبس بقدرة لم تؤثر حتى عن النبي عليه الصلاة والسلام أو الصحابة والتابعين وإن ادعى معاونة جان مسلمين يستحيل إثباتها, فضلا على أن المغالاة بتجاوز حدود الرقية الشرعية تفتح بابا للمدعين والمغرضين أو لتعليق عواقب سوء التصرفات على مجهول تستحيل ملاحقته فيسود الوهم والخداع وتتعطل المعالجة الحقيقية للمشكلات, وعلى سبيل المثال كانت شكوى إحداهن هي القلق الدائم من هدم زواجها الحالي مدعية وسوسة جان في اليقظة والمنام تهددها بكشف وثيقة زواج عرفي سابق.

المحور الخامس
خطر المشعوذين
المشعوذ دجال قد يخفي غرض الكسب ويقنع بالهدايا بإدعاء عدم طلب الأجر خشية الملاحقة الأمنية, ولكن قد يأمن فيفضح غرضه بإعلانه في وسائل الإعلام مدعيًا قدرات يطلب معها الدفع مقدمًا, وفي أحد المواقع أعلن أحدهم أن لديه: (العلاج للعنوسة وربط الأزواج وما يشفي من كل سحر وحسد ومرض بالعلاج بالقرآن والأعشاب خاصة جميع الأمراض الخبيثة و المستعصية كالسرطان وأمراض الكبد والعقم عند النساء والرجال والعلاج ليس مجاني والدفع مقدما), وغالبا يجد المشعوذ ضالته فيمن بلغ حد اليأس تحت وطأة الضغوط الاجتماعية والمصابين بالأمراض المستعصية؛ الاجتماعية منها والبدنية, كما يستغل جهل المصابين بوهم التلبس بجان أو الوقوع فريسة لسحر, وذوي الحالات الصحية المزمنة كالبرص والسكري والسرطان, وذوي الأغراض المتعلقة بالمحبة والكراهية والانتقام كترهيب الزوج أو تدجينه أو الانتقام منه وتحطيمه أو لجلب السعد لابن عاطل أو لابنة عانس, والشعوذة مستمرة في الانتشار خاصة في الأوساط الشعبية حيث تقل الثقافة والوعي وتنتشر الأمية وتكثر الضغوط الاجتماعية والمشاكل الزوجية والمعاناة الدراسية, وتشكل النساء أغلبية الزبائن وهن يتداولن غالبا روايات مبالغ فيها عن حالات كثيرة "تحقق فيها المقصود"؛ تستوي في ذلك المتعلمات والأميات والشابات والمسنات، ومن خوفهن من الحسد والإصابة بالجان يتملكنهن الوهم ويصبن فعلا بوساوس وكوابيس وصداع وآلام فيندفعن نحو الدجالين ويقعن ضحية الابتزاز, وفي الحقيقة هذه جميعا أعراض نفسية وقد يؤدي تأخير علاجها الحقيقي إلى نتائج وخيمة, وكلما عالج علماء الشريعة المشاكل اليومية ونبهوا للسلوكيات المتجاوزة حد الشريعة كلما قلت الظواهر السلبية إذا لم تنعدم.

 

المراجع

(*) الباحث العلمي بالهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسـنة برابطة العالم الإسـلاميى مكة المكرمة – المملكة العربيـة السـعودية
(1) "الشخصية المستهدفة للإصابة بالسرطان" د. بدر محمد الأنصاري قسم علم النفس كلية العلوم الاجتماعية جامعة الكويت 1996م.
(2) The Effect of Meditation on the Brain activity using a brain imaging technology called single photon emission computed tomography (SPECT).
(3) عدد من المقالات منشورة بالإنجليزية.
(4) مسند أحمد ج5ص364و371
(5) البداية والنهاية ج9ص108.
(6) Religion and the Brain, DR. MICHAEL PERSINGER, Is the Brain a Modem for God? By AMY ELLIS NUTT, The brain at prayer, Anne Blair Gould
(7) "مفاتيح تدبر القرآن والنجاح في الحياة" د. خالد بن عبد الكريم اللاحم أستاذ القرآن وعلومه المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض ، 1425هـ.
(8) "الصلاة وأثرها على النفس والوجدان" د. إبراهيم بن حمد النقيثان مقال منشور يوم 8\10\1427 هـ.
(9) "العلاج النفسي الذاتي بالقرآن" د. رامز طه مقال منشور بموقعه (أساليب العلاج النفسي الحديثة وتطبيقاتها).
(10) "اثر القرآن في الأمن النفسي" بتصرف قليل من مقال منشور للباحثة في العلوم الإسلامية الأستاذة ناهد عبد العال الخراشي.
(11) د. وائل أبو هندي جواب منشور في موقع إسلام أونلاين محدث الأحد 24 ديسمبر 2006.
(12) مجلة الطب النفسي أبو ظبي Abu Dhabi Bulletin of Psychiatry العدد الثالث والعشرون تموز 2003.
(13) "الأمراض النفسية وعلاجها الروحي في الإسلام" مقال منشور للدكتور عبد الستار أبو غدة.

92 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع