اسلوب مبتكر للاستيلاء على العقارات " الموروثة "
النفوس الشريرة تلجأ لأغرب الطرق واكثرها اثارة لتحقيق اغراض دنيوية .. وعالم الشعوذة والمشعوذين قديم جديد لكنه في كل مرة يأخذ شكلا جديدا أو لنقل " مبتكرا " لاقناع اصحاب العقول الساذجة والقلوب الخالية من الايمان بالله ..

في السنوات الاخيرة استمر مسلسل احراق المنازل والقاء الحجارة عليها وشخبطة بعض الكتابات على جدرانها لارهاب اصحاب هذه المنازل " وغالبا ما يكونون ورثة " ومع الايمان الكامل بوجود الجن وامكانية تلبسهم لبني الانسان الا أن الحقائق التي ترد في مضابط التحقيقات التي يجريها الدفاع المدني والجهات الاخرى تكشف ثغرات فادحة لا تتفق مع منطق الاشياء ، ومع حقيقة الايمان كما يؤكد ذلك اصحاب الفضيلة واهل الرأي في هذه القضية التي تناولتها عكاظ بحثا عن الحقيقة من جهة واشاعة للعلم من جانب آخر لقطع الطريق على الانتهازيين ممن يمارسون الشعوذة والدجل باسم الدين والدين منهم براء ..

روي عن الطبيب المشهور ابي بكر الرازي أن رجلا في زمانه اصابه صداع ملازم اعتقد معه ان على رأسه جرة ، وكان كل من سمعه يضحك منه ويهزأ به حتى بلغ خبره الرازي ، فجاء به ، فلما دخل عليه قال له : اخفض رأسك ، فإن الباب واطئ ، وعلى رأسك جرة وأنا أخاف أن تنكسر ..

فاستبشر الرجل ، وقال له : وهل تراها ؟ قال : وكيف اكون طبيبا اذا كنت لا أراها ؟ فلما وثق به وجعل يداويه اعطاه دواء يرخي اعصابه ، ويخدره تخديرا خفيفا ، ثم قال له : استعد فاني ساكسر لك الجرة ، فاذا تألمت فاحمل الالم ساعة لتستريح ما بقي من عمرك ، وكان الرازي قد اعد رجلا يحمل جرة يقف بها وراء المريض من حيث لا يراه ، وضرب الرازي المريض بالعصا على رأسه ضربة موجعة لكنها لا تؤذي واشار الى الرجل فألقى الجرة فتكسرت فلما احس المريض بالضربة ورأى أمامه الجرة مكسرة ، شفى من مرضه ..

وفي كتاب مترجم للدكتور جاكسون من كبار اطباء الاعصاب في امريكا يؤكد ان نصف المرضى الذي يفدون على عيادته ليس فيهم مرض وانما هو تعب الاعصاب من كثرة المشاكل والمشكلات ومن حصر الذهن وشدة القلق ، وان تعب الاعصاب لا يقتصر اثره على الصداع وعسر الهضم والامساك المزمن وقرحة المعدة ، بل ينشأ عنه ضيق الصدر وسوء الخلق والنزاع الزوجي . ويسرد حوادث طريفة رأى فيها اناسا تبدو عليهم اعراض المرض كلها وليسوا مرضى .

ومما قاله الدكتور جاكسون في هذا الصدد ان فتاة فائقة الجمال جاء بها اهلها اليه محمولة على محفة بها شلل في رجليها لا تستطيع معه قياما ففحصها فلم يجد فيها شيئا ، وعلم انه وهم ، واستخبر خبرها فإذا هي فتاة مدللة تعطى ما تطلب ويحقق لها كل ما تريد فشد من قامته وزوى مابين عينيه واخذ هيئة الجد وقال لها :

قومي فليس بك شئ فارتاعت البنت ، وغضب الاب واحتجت الام فلم يبال بأحد منهم وصرخ بها صرخة لا تملك معها خلافا وقال : قلت لك قومي ومد اليها يده فأمسكت به فأقامها فقامت ، ثم سيرها فسارت حتى بلغ الباب فخرجت ماشية على قدميها وقد دخلت متمددة على المحفة ‍‍.

ان هاتين الواقعتين بما انطوتا عليه من عميق المعاني والدلالات تشيران ببساطة متناهية الى وجود نوع من المرضى لم يكن فيهم من الاصل أي داء وانما هو نوع من المرض النفسي أو العصبي أو الوهم أحيانا .

وتصدير هذه القضية بهاتين الواقعتين عملية مقصودة في حد ذاتها هدفنا من ورائهما تقريب الافهام لما يجري في حياتنا من ظواهر تقع في نطاق الشاذ والغريب والخارق دون ان يتداخل ذلك مع الدين والمعجزات وعالم الغيبيات التي لا يتطرق اليها الشك باستدعاء النصوص الدالة على ذلك .

ولكن يهمنا جدا من خلال طرحنا لهذه القضية ان نفرق بين ادخال الدين في هذا الباب وبين كثير من المشعوذين والدجالين والنصابين ، وبين العلم والخرافة . فكما هو معلوم للجميع انه يوجد بين ظهرانينا بعض مروجي الدجل والشعوذة الذين يدعون الطب وهم ليسوا باطباء ، ويقصدهم العامة من الناس والبسطاء – خاصة في اوساط النساء – يطلبون عندهم الشفاء من بعض الامراض المستعصية بما في ذلك الصرع والشلل وغيرها من الامراض الباطنية ، وهؤلاء لا يقل خطرهم عن خطر مروجي المخدرات ذلك انهم ربما استعملوا الدين والقرآن الكريم وسيلة لكسب الزبائن وجمع المال ، فأدخلوا الدين في هذا الباب والدين حسب قول الشيخ علي الطنطاوي لا ينكر اثر الدعاء ولا الرقية بالقرآن الكريم لانها من جنس الدعاء ، كما لا ينكر المعجزات والكرامات اذا جاءت من اهلها مما يوجب علينا الوعي والتفريق بين ما هو ديني وراسخ في معتقداتنا ، وبين ما هو محض لشعوذة ودجل لكسب المال .

وواقعة احتراق منزل اسرة المرحوم صديق عبد الواحد جلال في الحفائر بمكة المكرمة وما شهده هذا المنزل من حريق ليومين متتاليين ، وسقوط بعض الحجارة ، ورؤية خيالات لافراد ، وسماع اصوات واداء حركات رقص وغناء وكتابة على السلالم ( بإخلاء المنزل ) وغيرها من المشاهد ، فإننا ننفذ الى تفاصيل هذه الواقعة كما وردت على لسان بطلها الاول ابن صاحب العمارة المحترقة حسن صديق عبدالواحد ( 34 عاما ) ووالدته الكريمة " ام حسن " :

ومما يرويه الاخ حسن في سياق ذكر تلك الحادثة والذي استوقفنا كثيرا ليس واقعة حريق المنزل وتساقط الاحجار وارتطام الاشياء بسقف المنزل وانما حديثه للجن وتنبؤه بحرب الخليج على لسان جن :

ذات يوم في احدى غرف المنزل بالدور الاول سمعت احدهم يكلمني: ارفع يدك اليسرى واجعل وجهك للجدار .. وطلب مني ان اقول ذلك بالعكس وبعد ان قلت ذلك لم اشعر بالنوم لثلاث ليال وازدادت حالتي النفسية سوءا ..

ويضيف الاخ حسن في روايته هذه بعد ان قلت لهم ما طلبوه شعرت بقرصة مثل قرصة العقرب في رقبتي وشممت رائحة كريهه جدا ..

وسمعت في اذني اليسرى عبارات شتم وسباب وفي اليمنى فتاة تقرأ القرآن بصوت جميل ، ودائما ما استمع الى احاديث متنوعة منها على سبيل المثال " قم صل ياحسن .. هدئ اعصابك ياحسن .. خلي بالك يكون طويل .. لا تنزعج من شئ "

وقبل حرب الخليج بثلاثة اشهر كان حسن يذرف الدموع على الكويت حد تفكيره في الذهاب الى القنصلية الكويتية بجدة واخبار مسئوليها بذلك ، ولكنه تردد في الذهاب اليهم خوفا من ان يقال له " مجنون " ..

" كنت ابكي في غرفتي واقول لهم الحقوا الكويت " .

وتضيف " ام حسن " الى هذه الرواية : قبل حوالي 28 عاما ونحن نسكن في هذا البيت منذ ان كان دورا ارضيا وخلال تلك السنوات الطويلة لم نشاهد أي شئ يلفت الانظار الا في شهر جمادي الثاني الماضي 1414هـ عندما رأينا حجارة تتساقط علينا من بطن الغرفة قمنا باغلاق النوافذ دون جدوى وازداد الامر سوءا حتى اصبح كل ما بالمنزل يهتز ويطير مرتطما بالسقف ومنذ ان اخبروني بحريق المنزل وانا وابنتي في قسم النساء " بمسجد العمرة " لا نخرج منه ابدا الا لتناول الطعام ريثما نعود اليه مرة ثانية .

بعدها يذكر الاخ حسن انهم ذهبوا للشيخ فهد الصبحي طلبا للخروج من هذه المشكلة ، وعندها قام الشيخ الصبحي بالقراءة عليه وابلغه ان معه شخص مسلم من الجان ، وبعد ان نطق بالشهادتين قال الجان على لساني للشيخ : " اعاهدك بالله بأن اخرج من حسن في اول يوم من شوال ، وبعد ان يهللوا ويكبروا سوف اجعل عيدهم عيديدن : عيد الفطر .. وعيد الخروج منه " .

ويضيف حسن : وذكر لي الشيخ بأن الجان سيخرج من أصابع قدمي اليسرى . هذا ما قاله لي الشيخ والله أعلم ..

عرضنا المسألة على عدد من العلماء والمشايخ لمعرفة رأيهم في هذا الذي يرويه حسن صديق عبدالواحد جلال ، فأقروا بحدوث الحريق ، وقالوا بصحته وانه قد يحدث في أي زمان ومكان الا ان اعتراضهم كان منصبا على رؤية الجان بالعين المجردة .



* الـشـيخ مـنـيـر عـرب أحد من يقرأون القرآن لإخراج الجان لمن تلبسهم قال : ان الجان له تصرفات واعمال وافعال ترى للعين المجردة ، ولكن هم في ذواتهم لا يمكن لإنسان ان يراهم وان من ادعى انه رأى جنا بخلقته التي خلقه الله عليها فكلامه باطل مردود عليه لقوله سبحانه وتعالى" انه يراكم هو : وقبيله من حيث لا ترونهم ، وان اذية " وبصفتي انسان يعالج هذه الحالات فقد مر على منها الكثير الجان للانس واردة ، وقد حدثت في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وقالت: (صلى الله عليه وسلم) عندما جاءت امرأة الى النبي يارسول الله ان بابني تقيأه فلا يبقى في " لمم " ، فكان هذا الطفل الصغير كلما ارضعته امه الحليب جوفه شئ ، فقال صلى الله عليه وسلم يديه الشريفتين وقرأ : اتني به ، فجاءته به ووضعه (صلى الله عليه وسلم) بين في اذنه وقال " شئ اسود مثل : اخرج عدو الله اني رسول الله ، فخرج من فيه " أي من فم الطفل الجرو الاسود الصغير ، فهذا دليل على ان الجان يؤذي الانسان .

وفي سياق اثبات مثل هذه الحالات من وجهة النظر الدينية يضيف الشيخ ( منير عرب ) : ان السلف من امثال احمد بن حنبل – رحمه الله – وشيخ الاسلام ابن تيمية ، قد افتوا في ذلك فتاوي موجودة في المسانيد ونحن من اتباع أولئك السلف مما يوجب علينا الايمان بان الجان يتلبس الانسان .

وحول حادثة احتراق المنزل اوضح الشيخ ( منير ) انها لا تخرج من احدى حالتين : أما أن يكون البيت مسكونا بالارواح الشريرة ، وأما أن يكون أحد أفراد هذه الأسرة مصابا بلبس من الجان سكنوا في داخل هذه النفس فيخرجون فيؤذون ثم يعودون الى هذه النفس مرة اخرى .. والله اعلم.

أما القول أن أحد أفراد تلك الأسرة متلبس به جان وان هذا الجان من الصلاح ، فيؤكد الشيخ منير أنه كلام هراء ، ذلك أن الصلاح والصالحين لا يؤذون اخوانهم المسلمين .. وعليه لو كان هؤلاء الجان صالحين لما احرقوا هذا البيت ولما افزعوا اهله واخرجوهم منه .. وفيما يتعلق بالتنبؤ بحرب الخليج التي قال عنها الاخ حسن قبل وقوعها بثلاثة أشهر ، أوضح الشيخ منير ان هذا قد وردت به السنة ، فان الشياطين يسترقون السمع عبر السماء ويوحون الى أوليائهم بذلك ، وهذا يجب عدم تصديقه لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) اخبرنا بأن الشياطين يرقى بعضهم فوق بعض حتى يصلون الى السماء الدنيا فيسترقون السمع من هناك والذي يسترق السمع يعطى الكلمة التي استرقها للذي تحته والذي يعطيها بدوره للذي هو ادنى منه . وهكذا حتى تصل الى اذن الساحر ، وهي كلمة حق قد كتبها الله في السماء واملاها على الملائكة .. وعندها يأخذ الساحر هذه الكلمة ويضيف اليها مائة كذبة فاذا ما حدثت تلك الكذبة ظن ان هذا الساحر يعلم الغيب ، ولكن لا يعلم الغيب الا علام الغيوب ، ولكن هذه عقيدة كل مسلم ومسلمة بان الله عز وجل استأثر بعلم الغيب ولم يشرك فيه أحدا الا لمن اراد ان يطلعه على شئ من الغيب مثل الملائكة والرسل والانبياء .

عـــكـاظ

الاحد 19 شعبان 1414هـ

الموافق 30 يناير 1994


70 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع